فوزي آل سيف
109
أعلام من الأسرة النبوية
فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي إلى المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية وكان أبو سلمة نازلا بها فدخلتها على بركة الله تعالى، ثم انصرف راجعا إلى مكة. وكانت تقول: ما أعلم أهل بيت أصابهم في الإسلام ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة [286]" كان لقاؤها بزوجها في مدينة رسول الله، حيث الأمن على الدين والحياة، يعادل أعظم النعم، لكن النعم لا تدوم، وابتلاء المؤمنين هو بقدر إيمانهم، فأولى الناس بالبلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم المؤمنون الأمثل فالأمثل.. ها هي أم سلمة ومعها أربعة من الأولاد (سلمة، وعمر، وزينب و درّة) يستقبلون أبا سلمة المجاهد مع رسول الله في معركة أحد سنة 3 للهجرة جريحا، وبالرغم مما بذلت من العناية به وبمداواة جرحه إلا أنه انتقض عليه وتوفي على أثر ذلك بعد أقل من سنة. اسودت الدنيا في عينيها، فلا أهل عندها هنا في المدينة، ولا زوج، ولا تستطيع العودة إلى مكة!لم يكن يؤنسها غير أحزانها وألمها.. إلا أن باب الأمل لا بد أن يفتح في نهاية النفق، فها هي تتذكر ما نقله زوجها عن النبي صلى الله عليه وآله وما كان يقول: "..قَالَتْ: أَتَانِي أَبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا سُرِرْتُ بِهِ، قَالَ: " لَا يُصِيبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعُ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ " قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَحَفِظْتُ ذَلِكَ". فلما توفي أبو سلمة تذكرت هذا الحديث، واستعادته مسترجعة بالقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصبيتي واخلف لي خيرا منها.. هل تتوقع أن يحصل هذا بأن يعوضها الله خيرا من أبي سلمة؟ ولكن من أين يأتي ذلك الأفضل من أبي سلمة؟ مع ظروفها تلك؟ تقول: " فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَدْبُغُ إِهَابًا لِي، فَغَسَلْتُ يَدَيَّ مِنَ الْقَرَظِ، وَأَذِنْتُ لَهُ فَوَضَعْتُ لَهُ وِسَادَةَ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَقَعَدَ عَلَيْهَا، فَخَطَبَنِي إِلَى نَفْسِي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنَا لَكَ بِكُفْؤٍ، وَمَا بِي إِلَّا يَكُونُ بِكَ الرَّغْبَةُ، وَلَكِنِّي امْرَأَةٌ فِيَّ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ، وَأَخَافُ أَنْ تَرَى مِنِّي شَيْئًا يُعَذِّبُنِي اللهُ بِهِ، وَأَنَا امْرَأَةٌ قَدْ دَخَلْتُ فِي السِّنِّ، وَأَنَا ذَاتُ عِيَالٍ، قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذْهِبُهَا اللهُ عَنْكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ السِّنِّ فَقَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ الَّذِي أَصَابَكِ، وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْتِ مِنَ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكَ عِيَالِي» قَالَتْ: فَقَدْ سَلَّمْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَقَدْ أَبْدَلَنِي اللهُ بِأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْه"..[287] وبالرغم من أن أم سلمة لم تبق مع النبي صلى الله عليه وآله غير فترة قصيرة من عمره الشريف (من منتصف سنة 4 للهجرة إلى أول سنة 11) إلا أنها مع ذلك كانت في الذروة السامقة التي لم تصل لها بقية زوجات النبي باستثناء خديجة عليها السلام. وكنت قد ذكرت في احدى المحاضرات أن النبي صلى الله عليه وآله قد أشار إلى أم سلمة أن تعتني بفاطمة في تحضيرها للزواج، وأن تخبرها عن مسائله، فكانت تقول إنها ما علمتها بشيء إلا ووجدت الزهراء أعلم به منها.. وإني لا أذكر الآن مصدر هذه المعلومة، ولكن حين الكتابة تأملت قليلا فيها فوجدت فيها جهات للمناقشة أهمها أن زواج
--> 286 (ابن الأثير ؛ عز الدين: أسد الغابة 7/329 287 ) الاصفهاني ؛ أبو نعيم: معرفة الصحابة 6/ 3219